القائمة

interview_1

لماذا تحول نهائي كأس الأمم الأفريقية إلى عاصفة من الكراهية على وسائل التواصل الاجتماعي؟

أقيم نهائي كأس الأمم الأفريقية 2025 في أجواء شديدة التوتر، حيث شهدت المباراة عدة لحظات من التوتر: محاولة اقتحام الملعب من قبل مشجعي السنغال، وخروج لاعبي السنغال من الملعب لفترة وجيزة احتجاجًا على ركلة جزاء متأخرة منحت للمغرب، بالإضافة إلى إضاعة ابراهيم دياز لركلة الجزاء. في الأيام التي تلت المباراة، تحولت وسائل التواصل الاجتماعي وسيلة لنشر تدوينات غاضبة، وأحيانا ردود فعل عنصرية صريحة استهدفت كل من المغاربة والسنغاليين.

نشر مدة القراءة: 5'
لماذا تحول نهائي كأس الأمم الأفريقية إلى عاصفة من الكراهية على وسائل التواصل الاجتماعي؟
DR

لفهم الديناميات المتزايدة للعداء عبر الإنترنت بعد المباريات الرياضية، أجرى موقع «يابلادي» حوارًا مع عبد الرحيم بورقية، أستاذ علم اجتماع الرياضة والإعلام في معهد علوم الرياضة بجامعة الحسن الأول في سطات، ورئيس الجمعية المغربية لعلم اجتماع الرياضة.

كيف يمكن أن تؤدي الفوضى في نهاية مباراة كرة قدم إلى تأثيرات تتجاوز الملعب لتصل إلى وسائل التواصل الاجتماعي والحياة اليومية؟

المباريات التي تنتهي بالتوتر أو الفوضى لا تظل حبيسة الساحة الرياضية. بل على العكس، تصبح شرارة لديناميكية اجتماعية أوسع تمتد إلى وسائل الإعلام والمنصات الرقمية والتفاعلات اليومية.

تعمل كرة القدم كمضخم رمزي للعواطف الاجتماعية. في إفريقيا، حيث تحتل مكانة مركزية في المخيلة الجماعية، يمكن لأي اضطراب في الملعب، سواء كان قرارا مثيرا للجدل أو هزيمة أو حادث عنيف، أن يعاد تفسيره ليصبح شيئا يتجاوز الرياضة. يصبح الأمر بمثابة استعارة للظلم أو الإهانة أو الفشل الجماعي. بذلك، لا تنتهي المباراة بصافرة النهاية؛ بل تستمر من خلال النقاش والجدل.

كيف تسهم وسائل التواصل الاجتماعي في تعزيز هذه الديناميكية؟

تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دورا حاسمًا في هذا السياق. تعمل المنصات الرقمية كمسرعات عاطفية، حيث تنتشر الصور والمقتطفات القصيرة والتفسيرات الانتقائية دون سياق، مما يشجع على ردود الفعل الفورية بدلا من التفكير العميق. تفضل الخوارزميات الغضب والمبالغة والمواجهة، مما يحول الحوادث المعزولة إلى رموز للعداوات الوطنية أو العرقية أو الثقافية. يجب أن نكون واعين ومدركين للإمكانات التدميرية لوسائل التواصل الاجتماعي.

في هذا الإطار، يبدأ خطاب الكراهية والعنصرية في الظهور. بمجرد تأطير الحدث الرياضي في سياق «نحن ضدهم»، يتم توجيه الإحباط نحو أعداء متخيلين. يصبح اللاعبون والحكام والمشجعون، وحتى الدول بأكملها، أهدافًا. تعزز الأخبار الزائفة والروايات المحرفة هذه الديناميكية من خلال تقديم تفسيرات مبسطة للمواقف المعقدة، غالبًا ما تستند إلى القوالب النمطية أو التفسيرات التآمرية. يعكس هذا أزمة أوسع في التفكير النقدي في العصر الرقمي.

تعمل الإهانات عبر الإنترنت والخطاب العنصري واللغة اللاإنسانية على تطبيع العدوان تدريجيًا. في بعض السياقات، يتجاوز هذا العنف الرمزي إلى الفضاء المادي: التحرش، التهديدات، المواجهات في الشوارع أو السلوكيات التمييزية. يصبح الحادث في الملعب ذريعة للتعبير عن إحباطات اجتماعية أعمق مرتبطة بالهوية والإقصاء والاعتراف.

ماذا يعلمنا ذلك عن كرة القدم وكيفية تفسيرها؟

تكشف هذه الديناميات عن الطبيعة المزدوجة لكرة القدم. فمن ناحية، هي مساحة للتماسك الاجتماعي، والعاطفة الجماعية، والانتماء المشترك. ومن ناحية أخرى، عندما يتم تناولها بشكل سيئ من قبل المؤسسات ووسائل الإعلام، يمكن أن تصبح مرآة للتوترات الاجتماعية ومحفزًا للصراعات. المشكلة، إذن، ليست في كرة القدم نفسها، بل في الطريقة التي يتم بها روايتها واستغلالها واستهلاكها. هنا، يمكن أن يؤدي غياب أو ضعف عملية التمدن إلى العنف.

في هذا السياق، لا تقع المسؤولية فقط على المشجعين، بل أيضًا على الجهات الإعلامية، والمؤثرين، والمؤسسات التعليمية والثقافية والرياضية، التي يجب أن يكون دورها هو وضع الأحداث في سياقها، ونزع فتيل العواطف، وتعزيز ثقافة التفكير النقدي. بدون هذه الوساطة، قد تتحول كرة القدم من مساحة للتنافس الرمزي إلى عامل تقسيم اجتماعي.

وأكرر: الطريقة التي يتفاعل بها المجتمع مع مباراة كرة قدم تخبرنا الكثير عن علاقتها بالاختلاف والعاطفة والهوية الجماعية. الرياضة لا تخلق التوترات الاجتماعية؛ بل تكشفها. والطريقة التي تُدار بها هذه التوترات تحدد ما إذا كانت كرة القدم تصبح قوة للتماسك أو محفزًا للصراع.

كيف يمكن لكرة القدم أن تساعدنا في فهم كيفية تنظيم المجتمعات للعواطف والعنف والسلوك الجماعي؟

لا يمكنني إلا أن أفكر في عمل رئيسي لاثنين من علماء الاجتماع البريطانيين، نوربرت إلياس وإريك دننج، بعنوان «الرياضة والحضارة». قام إلياس وزميله بتصور عملية التمدن كتطور تاريخي طويل الأمد حيث تقوم المجتمعات تدريجياً بتنظيم السلوك البشري من خلال شبكات مترابطة من القيود الاجتماعية والمعايير والضوابط العاطفية. في سياق كرة القدم، تضيء هذه النظرة كيف انتقلت الرياضة من الألعاب غير الرسمية، التي كانت أحيانًا عنيفة، على مستوى الشارع إلى دوريات احترافية منظمة للغاية ومشفرة تعكس عمليات أوسع لتنظيم المجتمع.

قام إلياس ودننج أيضًا بتوسيع العلاقة بين الرياضة وإدارة العواطف. كرة القدم، كنشاط تنافسي وعاطفي، تعمل كوسيلة لتنشئة اللاعبين والمشاهدين على التعبيرات المقبولة عن العدوان والمنافسة والإثارة الجماعية.

في الساحات الكروية المغربية والأفريقية، يتضح عملية التمدن في التنظيم التدريجي للسلوك في الملاعب، واحترافية التحكيم، وإقامة دوريات رسمية وهيئات حاكمة. بينما كانت كرة القدم في الشوارع والمباريات غير الرسمية تتضمن غالبًا مواجهات جسدية مباشرة، تعمل الدوريات الحديثة، سواء الوطنية أو القارية، تحت قواعد صارمة، وإجراءات أمنية، ومدونات سلوك تجسد مبدأ الاعتماد الاجتماعي والتحكم السلوكي الذي تحدث عنه إلياس.

كن أول من يضيف تعليق على هذا المقال