القائمة

أخبار

رمضان عبر العصور #4 : رمضان زمن السعديين.. من مجالس السلطان إلى مصل واحد ليلة القدر

لم يكن شهر رمضان عبر تاريخ المغرب مجرد مناسبة دينية عابرة، إذ كان مرآة تعكس استقرار الدولة أو اضطرابها، وقوة السلطة أو ضعفها. وخلال عهد الدولة السعدية، اكتسى الشهر الفضيل أبعادا سياسية وروحية واضحة، حيث تحول إلى فضاء يجتمع فيه السلطان والعلماء والرعية حول شعائر الدين، قبل أن تمتد الفتن والصراعات إلى أقدس اللحظات الدينية عند المغاربة.

نشر مدة القراءة: 5'
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي - جيميني
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي - جيميني

ارتبط صعود الدولة السعدية بالدعوة إلى الجهاد والدفاع عن الثغور المغربية ضد التوسع الصليبي، وهو ما جعل الدين عنصرا مركزيا في مشروعها السياسي. لذلك كان شهر رمضان مناسبة يبرز خلالها السلطان صفته كـ"أمير للمؤمنين" وحام للدين.

وكان عصر أحمد المنصور الذهبي  (1549- 1603)، هو أزهى عصور السعديين، وذلك لارتباط اسمه بانتصار المغاربة في معركة وادي المخازن، حيث شهدت البلاد في عهده الاستقرار أكثر من أسلافه، وكانت نقطة البداية في سياسته الداخلية أنه عمل على تقريب الفقهاء والعلماء المغاربة منه، حتى وصف بأنه خليفة العلماء وعالم الخلفاء، فقد كان واسع الثقافة ملما بالعديد من العلوم.

وخلال شهر رمضان، كان المنصور الذهبي  ينظم ليالي رمضانية خاصة مع طقوس مميزة. في كتابه "الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى" وصف المؤرخ أحمد بن خالد الناصري كيفية تنظيم السلطان السعدي لهذه الليالي، ويشير إلى أنها كانت تتمحور حول قراءة ودراسة "صحيح البخاري"، الذي يعد أصح كتاب بعد القرآن الكريم عند أهل السنة والجماعة.

ويقول الناصري، كان العلماء في هذه الليالي الرمضانية يكملون سرد صحيح البخاري، حيث "كان القاضي الفقيه والفقهاء البارزون يقرؤون يوميا جزءا من نسخة البخاري التي كانت مجزأَة على خَمْسَة وَثَلَاثِينَ سفرا".

ويقول أبو فارس عبد العزيز الفشتالي الذي يوصف بأنه مؤرخ الدولة السعدية  في كتابه "مناهل الصفا"  أن المنصور الذهبي كان يحرص على "قيام رمضان وإحياء لياليه المباركة بالاشفاع ينتقي لذلك مشيخة القراء ...، ويستنفرهم لشهود رمضان معه في الحواضر كالشيخ الحافظ أبي العباس بن أحمد بن علي الزموري".

ويتابع "فكان أيده الله يقوم معهم ليالي رمضان كله ثم يبرز صباح كل يوم من أيامه لسماع الحديث الكريم أيضا وسرد الجامع الصحيح للبخاري بين يديه، ويعقد لذلك مجلسا حافلا من أهل العلم ومشيخته برسم المذاكرة والتفهم في سرد الأحاديث النبوية".

وكانت هذه الجلسات أكثر من مجرد سرد، فقد كانت فرصة لدراسة الأحاديث النبوية والنقاش حول القضايا الدينية مع الحضور، وكان " القَاضِي يتَوَلَّى السرد بِنَفسِهِ فيسرد نَحْو الورقتين من أول السّفر ويتفاوض مَعَ الْحَاضِرين فِي الْمسَائِل ويلقى من ظهر لَهُ بحث أَو تَوْجِيه مَا ظهر لَهُ، فَإِذا تَعَالَى النَّهَار ختم الْمجْلس وَذهب القَاضِي بِالسَّفرِ فيكمله سردا فِي بَيته وَمن الْغَد يَبْتَدِئ سفرا آخر وَهَكَذَا" بحسب ما جاء في كتاب الاستقصا.

ولي عهد لا يشبه والده

وإضافة إلى ذلك كان المنصور الذهبي يحرص حسب ما ورد في كتاب مناهل الصفا إلى إخراج الصدقات "منها الأموال التي يخرجها ختم كل رمضان ويعم بها ذي الحاجات بحضرته العلية حتى صار ذلك رسما وأداة يتحينها أهل الحاجة".

وكان المنصور الذهبي بعد انتصاره الكبير في معركة وادي المخازن، قد عين ابنه الشيخ المأمون وليا للعهد وحاكما على فاس، غير أن الأخبار التي كانت تصله في عاصمة السعديين مراكش لم تكن كما كان يشتهي، إذ أن ولده لم يتبع نهجه بل "كَانَ فسيقا خَبِيث الطوية مُولَعا بالعبث بالصبيان مدمنا للخمر سفاكا للدماء غير مكترث بِأُمُور الدّين من الصَّلَاة وشرائطها" بحسب ما جاء في كتاب الاستقصا.

وبعد وفاة السلطان أحمد المنصور الذهبي، دخلت الدولة السعدية في مرحلة ضعف، إثر صراع أبنائه على الظفر بحكم البلاد. وانقسمت البلاد إلى مراكش وفاس، ووقعت بينهما حروب، وانعكس ذلك على وضع البلاد التي بدأت تعاني من انفلات أمني، وقامت ثورات وحركات انفصالية وإمارات مستقلة.

وكان المأمون يعتمد على ولده عبد الله - الذي لم يكن يقيم بدوره وزنا لشهر رمضان- في محاربة إخوته ويشير كتاب كتاب الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، إلى أن عبد الله تغلب على عمه أبي فَارس في مراكش "فأباحها لجيشه فنهبت دورها واستبيحت محارمها وَا شتغل هُوَ بِالْفَسَادِ وَمن يشابه أَبَاهُ فَمَا ظلم حَتَّى حُكيَ أَنه زنى بِجوَارِي جده الْمَنْصُور واستمتع بحظاياه وَأكل رَمَضَان وَشرب الْخمر فِيهِ جهارا وَعَكَفَ على اللَّذَّات وَألقى جِلْبَاب الْحيَاء عَن وَجهه".

رجل واحد يصلي ليلة لقدر بالقرويين

وفي سنة 1631، قتل عبد الملك بن زيدان ابن أحمد المنصور الذهبي، وجاء في كتاب "الاستقصا" أنه بعد ذلك زادت عمليات السلب والنهب في بلاد المغرب، وخصوصا في مدينة فاس، وأمر السعديون بإغلاق جامع القرويين وتعطيل صلاة التراويح به.

وجاء في المصدر نفسه "لما قتل السُّلْطَان عبد الْملك بن زَيْدَانَ فِي التَّارِيخ الْمُتَقَدّم بُويِعَ أَخُوهُ الْوَلِيد بن زَيْدَانَ فَلم يزل مُقْتَصرا على مَا كَانَ لِأَخِيهِ وَأَبِيهِ من قبله لم يُجَاوز سُلْطَانه مراكش وأعمالها وعظمت الْفِتَن بفاس حَتَّى عطلت الْجُمُعَة والتراويح من جَامع الْقرَوِيين مُدَّة وَلم يصل بِهِ لَيْلَة الْقدر إِلَّا رجل وَاحِد من شدَّة الهول والحروب الَّتِي كَانَت بَين أهل الْمَدِينَة".

بدوره قال محمد بن الطيب القادري في كتابه "نشر المثاني لأهل القرن الحادي عشر والثاني"، إن جامع القرويين أغلق "بسبب الفتن وفي آخره وقع الصلح من الشر بفاس على يد أهل الصاغة، وسدت جامع القرويين ولم تصل الجمعة ثالث رمضان، وعطلت التراويح، وصلى ليلة القدر رجل واحد وبقي معطلا".

وتحدث كتاب "ماضي القرويين ومستقبلها" لصاحبه محمد عبد الحي الكتاني، عن هذه الواقعة وقال، "وفي هذا العام (1040) قتل عبد الملك بن زيدان المتسمى بالخلافة، وخلفه أخوه اليزيد، وعطلت صلاة الجمعة وصلاة التراويح من مسجد القرويين لما تفاقم الأمر من الحرب بين أهل فاس، ولم يصل فيه ليلة القدر إلا رجل واحد".

الاحتفاء برمضان في العصر السعدي عن مفارقة تاريخية لافتة، فمن ليال عامرة بالعلم وقيام الليل في عهد السلطان أحمد المنصور الذهبي، إلى زمن تعطلت فيه صلاة التراويح وأغلقت فيه أبواب جامع القرويين بسبب الفتن والحروب.

آخر تحديث للمقال : 02/03/2026 على 17h37

كن أول من يضيف تعليق على هذا المقال