القائمة

أخبار

"مدام بوفاري، أمي وأنا".. سميرة العياشي تسلط الضوء على ذاكرة النساء المهاجرات الصامتة

تواصل الكاتبة الفرنسية المغربية سميرة العياشي، عند تقاطع السرد الشخصي الذي يتغذى من الإرث الجماعي ويغذيه في الآن ذاته، استكشاف التاريخ العائلي عبر الكتابة الروائية. فبعد روايتها "بطن الرجال"، تعود في عملها الجديد "مدام بوفاري، أمي وأنا" إلى مساءلة صورة الأم وأدوار النساء داخل تجربة الهجرة والمنفى، مانحة هذه المسارات النسائية حضورا أوضح وأوسع داخل الفضاءين الأدبي والعام.

نشر مدة القراءة: 4'
سميرة العياشي / تصوير: CCME
سميرة العياشي / تصوير: CCME

إذا كانت تجارب الهجرة لا تروى بما يكفي من طرف أبطالها من الجيل الأول، فإن تجارب النساء المهاجرات تبدو أكثر عرضة للمحو والتهميش. ومن هذا المنطلق، تواصل الكاتبة المغربية سميرة العياشي الاشتغال، في كتاباتها الروائية والإنسانية، على الذاكرة الجماعية والإرث المتوارث بين الأجيال، الذي يتغذى بدوره من مسارات فردية، تقليدية كانت أو غير تقليدية. ومن هذه التساؤلات ولدت روايتها الخامسة "مدام بوفاري، أمي وأنا"، الصادرة عن دار "لويب"، والتي قدمت ضمن فعاليات الدورة الحادية والثلاثين للمعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، في إطار أنشطة مجلس الجالية المغربية بالخارج.

وبعد روايتها "بطن الرجال"، التي تناولت الهجرة العمالية وصور الأبوة في سياق التحركات الاجتماعية والنضالات النقابية، تعود سميرة العياشي في هذا العمل لاستكشاف صورة الأم، من خلال نبش شظايا الحياة وما لم يقل والهويات الممزقة، محاولة إعادة إحياء أصوات النساء داخل سلالتها ومنحهن إنسانيتهن الكاملة، تكريما لـ"كل تلك النساء من الجنوب الكبير اللواتي لم تعرف المرحلة كيف تراهن".

وتتناول الرواية، بأسلوب رقيق وعميق، العلاقات بين الأم والابنة بعيدا عن أي رؤية ثنائية أو أحكام جاهزة، كما تسلط الضوء على الكيفية التي دفعت بها مسارات الحياة الأمهات إلى محاولة استعادة السيطرة على مصائرهن وحرياتهن عبر بناتهن، مع السعي إلى التحرر من عبء الصمت الموروث عبر الأجيال.

حياة معاد تشكيلها في المنفى

ومن بين سطور الرواية، تشير الكاتبة إلى ثقل الإقصاء والانحياز الإدراكي، حين يختزل وجود النساء المهاجرات في أدوار لم الشمل العائلي والمهام المفروضة عليهن، بغض النظر عن رغباتهن أو تطلعاتهن الشخصية. ومن خلال شخصية "سلوى"، الراوية الأربعينية العزباء ذات الأصول المغربية، ترسم الكاتبة رحلة بحث عن الهوية وفهم العلاقة المعقدة مع الأم، التي عاشت تجربة المنفى في فرنسا خلال ثمانينات القرن الماضي، بعدما وصلت عبر لم الشمل العائلي، قبل أن تنغلق في صمت طويل خلف زوجها.

وفي المقابل، تحضر شخصية إيما بوفاري، بطلة رواية غوستاف فلوبير، كرمز للأخوة النسائية والتحرر، إذ تعكس تطلعات وآلام المرأتين، وتتحول إلى تجسيد للتمرد النسائي. ومن خلال هذا المثلث النسائي، تطرح سميرة العياشي أسئلة مركزية حول النسب والتحرر، من زاوية الصحة العقلية والجسدية للمهاجرات من الجيل الأول.

وفي هذا المسار، تتعلم سلوى ووالدتها التعرف على بعضهما من جديد. فسلوى، التي نشأت وهي توصف بأنها "الابنة الزائدة" وغير المخطط لها، تجد حياتها تنقلب بعد تشخيص طبي يكشف لها أنها لا تعرف شيئا تقريبا عن "التاريخ العائلي"، بالمعنى الحرفي والمجازي معا. كما تكتشف أعمال المفكر والطبيب النفسي فرانتز فانون، التي تفتح عينيها على ما يعرف بـ"متلازمة البحر الأبيض المتوسط"، وعلى ظاهرة التقليل من أعراض مجموعات سكانية كاملة وما يرتبط بذلك من إخفاقات طبية.

وتكتب سميرة العياشي في الرواية "تدرك أنها لا تعرف شيئا تقريبا، لا عن أمراض النساء في سلالتها، ولا عن تاريخهن، ولا عن ما انتقل في أجسادهن إلى جسدها. ومع ذلك، يتردد داخلها ألم بلا اسم، ورغبة شديدة في الحياة، وصمت الأم… وصدى إيما بوفاري التي درستها في الثانوية"

ومن خلال استحضار هذه الشخصية الأدبية، لا تكتفي الكاتبة بتوجيه تحية لرواية بارزة من القرن التاسع عشر، بل توظف إيما بوفاري كاستعارة لامرأة حالمة ومليئة بالأوهام المخيبة، بما يعكس معاناة نساء عالقات بين الرغبة في التحرر وثقل الواقع.

إرث ثقيل ومقاومة للنسيان

وفي هذه الرواية، تأخذ شخصية إيما بوفاري شكل "تسلل" إلى حياة الراوية، حيث تصبح حلقة وصل بين ثلاث نساء من ثلاثة أجيال وثلاث جغرافيات مختلفة، يجمعهن مصير واحد قائم على نضالات غير مرئية، لكنها مشتركة وعميقة.

كما ترسم سميرة العياشي صورة لإرث ثقيل وغير مرئي يخلق مسافات بين الأجيال. فاللغة الأمازيغية، التي احتمت بها والدة سلوى وانغلقت داخلها، تبدو ككنز مهدد بالاندثار. وفي المقابل، تتحدث الابنة الفرنسية والإنجليزية، بينما تتسع الفجوة بينها وبين جدتها، ليس فقط لغويا، بل أيضا زمنيا وثقافيا، بين امرأة حديثة وأم جاءت من قرية في جنوب المغرب وأثقلها المنفى.

وتجسد والدة سلوى، ببساطة، صورة النساء "اللواتي لا نعرف عنهن الكثير"، العالقات بين عالمين والموضوعات دائما في موقع المتفرج. غير أن الكاتبة ترى أن هؤلاء النساء قمن، رغم كل شيء، بعمل نقل صامت للذاكرة والتجارب، ظل غائبا عن السرد الجماعي للهجرة.

ومن خلال هذا العمل، تعيد سميرة العياشي الاعتبار لمسارات الجدات والأمهات، سواء في تمرداتهن الصامتة أو في إعادة اكتشافهن عبر بناتهن، مؤكدة أنهن لم يعشن في هامش السلبية، بل إن حياتهن تشكلت داخل بيئات لم تكن تعترف بتعقيد تجاربهن بين الوطن والمنفى، وبين هنا وهناك.

كن أول من يضيف تعليق على هذا المقال