في سياق إقليمي ودولي يتسم بالتسارع والتغير، تتزايد المؤشرات على وجود توتر داخل دوائر صنع القرار في الجزائر بخصوص ملف الصحراء المغربية. هذا الملف الذي ظل لعقود حجر الزاوية في الدبلوماسية الجزائرية، بدا وكأنه يشهد مراجعات داخلية غير معلنة، خاصة بعد متغيرات دولية وإقليمية أحدثت شرخا في المواقف التقليدية.
برز هذا التوتر بشكل أوضح عقب جلسة مجلس الأمن الدولي الأخيرة حول بعثة المينورسو، وكذلك بعد زيارة نائب كاتب الدولة الأمريكي إلى المنطقة. هذه الأحداث كشفت عن حالة تخبط في الخطاب الجزائري، إذ لم يعد الموقف الموحد سابقا حاضرا.
وخلافا للخرجات الإعلامية السابقة للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، التي كانت تمنح ملف الصحراء حيزا واسعا وخطابا تصعيديا، لم تحظ قضية الصحراء في لقائه الأخير إلا بإشارة مقتضبة. فقد اكتفى بالقول إن "هناك قرارا أمميا يتخذ مساره"، دون الخوض في أي تفاصيل.
وكان مجلس الأمن قد اعتمد، نهاية أكتوبر الماضي، القرار 2797، الذي يكرس مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كأساس وحيد لتسوية النزاع. وقد حظي القرار بتأييد أحد عشر عضوا، مقابل امتناع روسيا والصين وباكستان، بينما اختارت الجزائر عدم المشاركة في التصويت.
يأتي هذا الموقف الجديد في تناقض صريح مع تصريحات سابقة للرئيس تبون، الذي كان يهاجم في كل مناسبة مقترح الحكم الذاتي، ويشدد على أن "تقرير المصير" هو الحل الوحيد. كما كان يربط باستمرار بين نزاع الصحراء والقضية الفلسطينية.
ولم تحظ تصريحات تبون الأخيرة بأي تغطية من طرف وسائل إعلام جبهة البوليساريو، مما يرجح أنها أثارت نوعا من الاستياء داخل الجبهة التي تعتبر الجزائر الراعي العسكري والدبلوماسي الأول لها.
تحركات في اتجاه آخر
في المقابل، برزت تحركات دبلوماسية وميدانية موازية تعكس توجها مختلفا داخل النظام الجزائري. فقد أجرى وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف اتصالا هاتفيا مع نظيره الإيراني عباس عراقجي، واستقبل في اليوم نفسه السفير الإيراني بالجزائر، دون الكشف عن تفاصيل اللقاء.
وتأتي هذه التحركات في وقت تتهم فيه المملكة المغربية إيران رسميا بتمويل وتدريب عناصر البوليساريو عبر حزب الله اللبناني. ويقرأ التقارب الجزائري-الإيراني كرسالة إلى واشنطن بأن الجزائر تمتلك أوراقا بديلة.
وفي اليوم ذاته، أقدمت جبهة البوليساريو التي لا تتحرك عادة دون تنسيق مع السلطات العسكرية الجزائرية، على استهداف مدينة السمارة بثلاثة مقذوفات. وبعد ساعات، أكدت في بلاغ لها وقوفها وراء العملية، التي خلفت إصابة سيدة بجروح دون تسجيل أضرار مادية.
وفي دليل آخر على وجود أجنحة داخل السلطة في الجزائر ترفض الخضوع للضغوط الأمريكية الرامية إلى تسوية النزاع، هاجمت جبهة تحرير أزواد المعروفة بعلاقاتها الوثيقة مع الجزائر، إلى جانب تحالف جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبط بالقاعدة، أجزاء واسعة من شمال مالي قبل أسابيع قليلة، وصولا إلى العاصمة باماكو، وسيطرت على عدة مدن، وجاء هذا التحرك الميداني مباشرة بعد قرار مالي سحب اعترافها بـ"الجمهورية العربية الصحراوية".
وتسعى الجزائر من خلال هذه الأوراق إلى إيصال رسالة إلى واشنطن مفادها أنها قادرة على إدخال المنطقة في حالة من عدم الاستقرار إذا تم تهميشها في تسوية ملف الصحراء أو الضغط عليها.
تكشف هذه التصريحات والتحركات المتناقضة، عن وجود صراع حاد داخل أجنحة الحكم في الجزائر. فبينما يسعى جناح على التهدئة والتفاوض تحت الضغط الأمريكي، يعمل جناح آخر غالبا ما يمثل المؤسسة العسكرية وأجهزة الاستخبارات، على إفشال أي تسوية لا تخدم الأجندة الجزائرية التقليدية.


chargement...



