تشهد النسخة الحالية من كأس الأمم الإفريقية، التي تُقام في المغرب، ضجة كبيرة على الإنترنت، حيث تنتشر مقاطع الفيديو والمنشورات التي تتناول التوقعات والتنبؤات. لكن هذه التوقعات ليست من صنع الصحفيين الرياضيين أو المحللين المحترفين، بل هي بعيدة كل البعد عن التحليل الفني أو العقلاني.
المشهد يبدو غير معتاد، حيث نجد قطة تتنبأ بالفريق الفائز عبر تناول الطعام من وعاء يحمل علم الفريق، أو ببغاء يختار علم الفريق المتوقع فوزه. وهناك من يقومون بطقوس غريبة مدعين قدرتهم على كشف الفريق الفائز. هذه الفيديوهات تحصد ملايين المشاهدات والإعجابات، مما يغذي آمال مشجعي كرة القدم الباحثين عن تأكيد قبل المباريات الحاسمة لفرقهم الوطنية.
يتفاعل أنصار أسود الأطلس بقوة في التعليقات على هذه الفيديوهات، يحتفلون أو يعبرون عن خيبة أملهم بناءً على "التنبؤ"، وكأنها حقائق مثبتة أو رسائل من المستقبل. كرة القدم، وسائل التواصل الاجتماعي، والخرافة: معادلة غريبة، لكنها جذبت اهتمامًا كبيرًا خلال هذه البطولة.
الضغط والخوف يغذيان التنبؤات الخرافية في كرة القدم
يرى المحلل النفسي والاجتماعي المغربي محسن بنزاكور في حديث مع يابلاي أن الأمر يتعلق بـ"التفكير الخرافي"، وأن اللجوء إليه "يحدث عادة في أوقات الخوف والضعف".
يوضح بنزاكور أن التوتر والقلق يظهران عندما يتمنى الناس بشدة تحقيق شيء ما، مثل الفوز بالبطولة. الكثير من المشجعين يتوقون لفوز المغرب، خاصة وأن البلاد لم ترفع الكأس منذ السبعينيات. يضيف بنزاكور أنه "من حماس المشجعين والتغطية الإعلامية المكثفة، يولد هذا التمني الخوف والتوتر". الخوف من عدم تحقق الحلم، والقلق بشأن ما سيعنيه ذلك إذا خسر المغرب.
تتحول هذه المشاعر، وعدم قدرة الناس على التحكم فيها، "إلى ممارسات خرافية بشكل غير واعٍ". ويشير إلى "ضرب الفال" واستشارة "الشوافة" وأشكال أخرى من التنبؤ المنتشرة على الإنترنت. وقال مازحا "هل من الممكن حقًا أن تستطيع قطة التنبؤ بمباراة كرة قدم؟" .
وبحسبه فإن ما يميز هذه الممارسات هو اللاعقلانية "ففي اللحظة التي ينخرطون فيها في مثل هذه الممارسات، يعمل المؤمنون بها على أدنى مستوى ممكن من التفكير العقلاني". وأضاف أن البعد اللاعقلاني يعزز الخوف والقلق، اللذين بدورهما يغذيان الخرافة، كما يظهر في كيفية تفاعل الناس مع هذا المحتوى عبر الإنترنت. مستشهدًا بعالم النفس الاجتماعي الفرنسي غوستاف لوبون، ذكر بنزاكور أن "سيكولوجية الجماهير تتشكل أكثر بالعواطف من التفكير العقلاني".
هل تطبع وسائل التواصل الاجتماعي الخرافة؟
وسائل التواصل الاجتماعي تلعب دورًا كبيرًا في انتشار هذا المحتوى. المنصات تميل إلى تطبيع الخرافة، بناءً على الاعتقاد بأن "إذا آمن الجميع بها، فإنها تصبح طبيعية". وواصل "في هذه المرحلة، لم نعد نتحدث عن الخوف أو القلق، بل عن التطبيع، إيجاد الأعذار لتبرير الخرافة". تعزز التقنيات الجديدة والفيديوهات والمحتوى الذي تولده الذكاء الاصطناعي هذه العملية بخلق أوهام يرغب الناس في الإيمان بها، غالبًا دون التشكيك في مصداقيتها.
على مستوى آخر، أقر بنزاكور بأن العديد من الأشخاص الذين يروجون لمحتوى خرافي عبر الإنترنت، سواء كان مرتبطًا بكرة القدم أو لا، ليسوا بالضرورة خرافيين بأنفسهم، بل "إنهم مدفوعون بأسباب مالية أو شخصية: المال، الشهرة، الظهور"، وتابع "يفهمون السياق ويستغلون الاستثمار العاطفي للناس في كرة القدم لجذب المتابعين وتحقيق التفاعل".
ومع ذلك، حذر المحلل النفسي الاجتماعي من أن الأحداث الرياضية الكبرى مثل كأس الأمم الإفريقية لا تخلق الخرافة؛ بل توفر فقط فرصة لظهورها "الممارسات الخرافية موجودة في العديد من جوانب الحياة، وليس فقط في كرة القدم". ووفقًا له، يستهلك الناس هذا المحتوى ليس لأن المغرب يستضيف البطولة، بل لأن الخرافة موجودة بالفعل.
وأصر بنزاكور على أن الشغف بكرة القدم وحده لا يؤدي إلى الخرافة "إذا نظرت عن كثب، ستجد غالبًا أن أولئك الذين يؤمنون بمثل هذا المحتوى يعتمدون على الخرافة في مجالات أخرى من حياتهم أيضًا — وليس فقط في كرة القدم".


chargement...






