القائمة

أخبار

دياسبو #424: Mocro Inside.. عندما توحد كرة القدم المغاربة في هولندا

حوّل الصحفي المغربي نور الدين غوداني شغفه بكرة القدم إلى مشروع إعلامي لافت يحمل اسم Mocro Inside، وهو برنامج حواري يُبث عبر الإنترنت، يجمع المغاربة في هولندا حول كرة القدم، لكن أيضًا حول أسئلة الهوية والانتماء والمجتمع، خصوصًا خلال المحطات الكروية الكبرى. ما بدأ كمبادرة بسيطة خلال فترة الحجر الصحي، تحوّل اليوم إلى فضاء مؤثر تتجاوز فيه كرة القدم حدود اللعبة، لتصبح لغة جامعة ومشتركًا وجدانيًا يوحّد أفراد الجالية.

 
نشر مدة القراءة: 5'
دياسبو #424: Mocro Inside.. عندما توحد كرة القدم المغاربة في هولندا
DR

نور الدين غوداني، صحفي مغربي راكم تجربة مهنية تمتد لأزيد من ربع قرن بهولندا، لا يُخفي انتماءه المغربي العميق كلما حضرت كرة القدم في النقاش. يقول بابتسامة لا تخلو من حماسة: «هذا يجعل دمي يغلي». وُلد غوداني بإقليم تاونات، وتحديدًا بالجماعة القروية بني وليد، قبل أن يهاجر والداه إلى هولندا حين لم يتجاوز عامه ونصف العام.

منذ البدايات الأولى، كانت ملامح مساره المهني واضحة المعالم: دراسة أكاديمية في الصحافة، تلتها تجربة ميدانية في التلفزيون، أنجز خلالها تقارير وأدار برامج حوارية انصبّ اهتمامها أساسًا على الشأنين السياسي والرياضي، ولا سيما كرة القدم.

مشروع كروي وُلد في زمن الحجر الصحي

تحتل كرة القدم مكانة خاصة في حياة نور الدين غوداني، وهو ما تُرجم لاحقًا إلى مشروع إعلامي بات يستحوذ على جزء كبير من وقته وطاقته. ويستحضر تلك اللحظة قائلًا: «مع بداية جائحة كورونا، وجدت نفسي فجأة أتوفر على أربع ساعات إضافية يوميًا. كنت أقضي ساعتين ذهابًا وساعتين إيابًا في القطار للوصول إلى مقر العمل».

أمام هذا الوقت غير المتوقع، قرر غوداني استثماره في فكرة ظلّت تراوده طويلًا: إطلاق برنامج عبر الإنترنت يُعنى بكرة القدم، وبالأساس كرة القدم المغربية. ويوضح في هذا السياق: «لطالما راودتني فكرة تقديم برنامج يتناول كرة القدم المغربية واللاعبين المغاربة. اقتنيت اشتراك “زوم” وبدأت مباشرة»، يقول في حديثه لموقع يا بلادي.

اتخذت الحلقات الأولى شكل مسابقة كرة قدم، تجمع بين لاعبين محترفين ومعجبين عاديين. وقال «قمنا بجولة أولى، ثم جولة ثانية، حتى النهائيات، والناس أحبوا ذلك حقًا».

حمل البرنامج اسم Mocro Inside، وهو عنوان وُلد من رحم مزحة تحوّلت إلى فكرة جادة. يروي نور الدين غوداني القصة ضاحكًا: «كان هناك برنامج تلفزيوني يجمع بين كرة القدم والسياسة، لكنه واجه مشاكل داخلية وتوقّف لفترة. مازحت أصدقائي قائلًا إن المنتج الشهير في هولندا، جون دي مول، اتصل بي وطلب مني أن أسدّ الفراغ وأدخل إلى “الداخل”». ويضيف: «من هنا خرج اسم Mocro Inside».

في بداياته، كان البرنامج يُبث مرة واحدة في الأسبوع، قبل أن يتحول إلى موعد نصف أسبوعي. وكان يقدم نقاشات تمتد من ساعة إلى ساعتين حول كرة القدم، بمشاركة لاعبين أحيانًا، ومشجعين عاديين أحيانًا أخرى، وفق قاعدة بسيطة يؤمن بها غوداني: «لكل شخص الحق في الحديث عن كرة القدم».

ومع مرور الوقت، وبحكم كون كرة القدم مرآة لديناميكيات اجتماعية أوسع، اتسعت دائرة النقاش بشكل تلقائي. يستحضر غوداني تلك المرحلة قائلًا: «خلال فترة كورونا، شهدت هولندا أعمال شغب، وخرج الشباب إلى الشوارع. قلت لنفسي: صحيح أن كرة القدم هي شغفي، لكنني في النهاية صحفي». وهكذا، تحوّل Mocro Inside تدريجيًا إلى منصة تناقش كرة القدم والسياسة، وكل ما يتقاطع مع حياة المجتمع.

برنامج مباشر على الإنترنت حول كرة القدم المغربية

ومع اقتراب نهائيات كأس العالم 2022 بقطر، قرر الصحفي الارتقاء بالمشروع خطوة إضافية. وبفضل خبرته التلفزيونية، سعى إلى تحويل Mocro Inside إلى برنامج حواري مباشر بكل المقاييس. يوضح قائلًا: «فكرت: لماذا لا نخلق هنا برنامجًا مباشرًا للأشخاص الذين لا يستطيعون السفر إلى قطر، لكن يمكنهم الحضور إلى برنامجي؟ نشاهد المباراة معًا، وسط الجمهور، ونستضيف شخصيات من عالم كرة القدم». وهكذا، بات البرنامج يُبث مباشرة عبر الإنترنت، جامعًا بين المتابعة الآنية والنقاش المفتوح.

تطلّب تمويل المشروع قدرًا كبيرًا من الإبداع. يقول نور الدين غوداني: «الجميع اشتغل بشكل تطوعي، بمن فيهم الضيوف. التكلفة الوحيدة التي تحمّلتها كانت أجور فريق الإنتاج، لأنني أردت للبرنامج أن يظهر بمستوى برنامج تلفزيوني حقيقي». ولتجاوز الإكراهات المالية، أطلق حملة للتمويل الجماعي، لقيت تفاعلًا واسعًا، إلى جانب استقطاب عدد من الرعاة.

من حيث الشكل، بدا البرنامج أقرب إلى عرض مسرحي. كان غوداني وضيوفه يجلسون حول طاولة مركزية تُعرف بـ«الدائرة الداخلية»، محاطين بنحو 150 شخصًا من الجمهور. يوضح: «نقدّم برنامجًا قبل المباراة، ثم نشاهد اللقاء معًا، وبعد الاستراحة بين الشوطين، وكذلك عقب نهاية المباراة، نعود للنقاش. كل ذلك يُبث مباشرة على يوتيوب».

احتضنت مدينة أمستردام الحلقات الثلاث الأولى، داخل نادٍ لكرة القدم، قبل أن يفرض تزامن المواعيد مع احتفالات أعياد الميلاد تغيير المكان. «انتقلنا بعدها إلى غورينشيم، حيث غطينا مباريات المغرب أمام إسبانيا والبرتغال وفرنسا»، يقول غوداني. ويضيف متأثرًا: «كان المشهد لا يُصدّق. حوالي 250 شخصًا، شبابًا وكهولًا. الجميع كانوا يبكون من شدة الفرح».

بالنسبة لنور الدين غوداني، شكّلت هذه اللحظات الذروة العاطفية للمشروع، خصوصًا وهو يشاهد عن قرب موجة المشاعر الجماعية التي فجّرها المسار التاريخي للمنتخب المغربي في كأس العالم بقطر. يقول بتأثر: «كرة القدم ليست مجرد لعبة. بالنسبة للمغاربة في هولندا، عندما نرى لاعبين مغاربة في الملعب، نشعر بأننا مغاربة حقًا. هذه الهوية تنبض في قلوبنا».

يمتد جمهور Mocro Inside عبر الأجيال، جامعًا النساء والرجال، الأطفال وكبار السن، في صورة تعكس وحدة الجالية حول المنتخب الوطني. وبينما يستعد نور الدين للنهائي التاريخي المرتقب غدًا بين المغرب والسنغال، وهو نهائي قد يفتح الباب أمام تتويج أسود الأطلس بلقبهم القاري الثاني بعد عقود من الانتظار، لا يخفي تأثره بروح الفريق ومعانيها الرمزية.

«هؤلاء اللاعبون لا يلعبون من أجل أنفسهم فقط، بل من أجل كل المغاربة عبر العالم»، يقول بنبرة واثقة.

وعندما سُئل عن لاعبه المفضل ضمن كوكبة نجوم المنتخب من أبناء الجالية المغربية الهولندية، لم يتردد لحظة: نصير مزراوي. «إنه آلة حقيقية: يفوز في الالتحامات، يقاتل حتى النهاية، ويؤدي أدواره رغم أنه لا يلعب دائمًا في مركزه المفضل»، يقول غوداني، معبّرًا عن أمله في أن يرى أسود الأطلس يزأرون مرة أخرى، ويرفعون الكأس التي يستحقونها عن جدارة.

كن أول من يضيف تعليق على هذا المقال