لاستجلاء هذه الأسئلة وتحليل ديناميات جماهير كرة القدم المغربية خلال بطولة كبرى من حجم كأس الأمم الإفريقية، أجرى موقع يابلادي حوارا مع عبد الرحيم بورقية، أستاذ علم اجتماع الرياضة والإعلام بمعهد علوم الرياضة بجامعة الحسن الأول بسطات، ورئيس الجمعية المغربية لعلم اجتماع الرياضة.
كيف تفسرون هذه الملاحظات المرتبطة بالأجواء داخل الملاعب؟
يعبر كل فرد انطلاقا مما يحمله داخله، ومن الطريقة التي يدرك بها الآخرين: الحاضرون في المدرجات من جهة، و"المحظوظون" من جهة أخرى، الذين غالبا ما يثير حضورهم نوعا من الاستياء لدى أولئك الذين لم يتمكنوا من الحضور. نحن دائمًا أمام ثنائية "نحن" و"هم"، و"لماذا هو أو هي وليس أنا"، وهي عناصر تساهم في إضعاف التماسك الاجتماعي.
وكما يقول المثل العربي: "كل إناء بما فيه ينضح". لذلك تختلف القراءات والنقد من شخص لآخر بحسب ثقافته، ودرجة فهمه، وأهدافه. وتتحدد هذه التفسيرات وفق مجموعة من العوامل، من بينها الحمولة الثقافية، والرأسمال الثقافي والاقتصادي، والوضع الاجتماعي، والجذور الإيديولوجية إن وُجدت، إضافة إلى الدوافع الداخلية التي قد يعجز الأفراد عن احتوائها، والتي جعلت منصات التواصل الاجتماعي التعبير عنها علنًا أمرًا ممكنًا ومتاحًا.
يرى بعض المتابعين أن عددًا من الحاضرين لمباريات كأس الأمم الإفريقية ليسوا من رواد الملاعب المعتادين، بل من المشجعين العابرين أو العائلات، وهو ما يؤثر على الأهازيج والتفاعل في المدرجات. هل هذا التصور دقيق؟
هذا التصور دقيق إلى حد كبير، غير أنه ينبغي التعامل معه من منظور سوسيولوجي لا من زاوية حكم قيمي. خلال هذه النسخة الناجحة من كأس إفريقيا، تغيّرت تركيبة جمهور الملاعب. فالملعب يتحول مؤقتًا من فضاء كروي اعتيادي إلى ساحة حدثية احتفالية، وإلى شكل خاص من أشكال التواصل الاجتماعي.
ويستقطب الحدث فئات اجتماعية أخرى غير معتادة على ارتياد الملاعب، مثل العائلات، والمشجعين العابرين، والسياح، أو المتابعين الذين تستقطبهم الرمزية القوية للتظاهرة أكثر من الانغماس الطويل في ثقافة التشجيع والألتراس. ومن الطبيعي أن ينعكس ذلك على طبيعة الأهازيج والتفاعل داخل المدرجات، حيث تحل التصفيقات العفوية وردود الفعل الفردية محل الأفعال الجماعية المنظمة، والأهازيج المنسقة، والشعارات والإيقاعات الجماعية المستمرة.
هل يمكن القول إن مجموعات الألتراس ومشجعي الأندية المعتادين مؤهلون أكثر لخلق "أجواء حقيقية" في الملاعب؟ وهل كان من العدل أن يكون حضورهم أكبر في مباريات كأس الأمم الإفريقية؟
لا يمكن إنكار ذلك. فمجموعات المشجعين والألتراس تنتمي إلى مستوى آخر من التشجيع، وتضيف بعدًا خاصًا للمباراة. هم ليسوا مجرد متفرجين؛ فدعمهم منظم بدرجة عالية، مع توزيع واضح للأدوار، ما يحول المجموعة إلى "آلة منسجمة" تُحوِّل المدرجات إلى فضاءات للتعبير الاجتماعي، والثقافي، وأحيانًا السياسي.
ومع ذلك، يظل الجميع مرحبًا به. فهذا لا يعكس تراجعًا في شغف كرة القدم، بل يبرز التعايش بين أنماط مختلفة من التشجيع. كلا الشكلين مشروع، غير أنهما ينتجان سلوكيات وأجواء صوتية مختلفة داخل الملعب.
عبد Ø§ÙØ±ØÙÙ
Ø¨ÙØ±ÙÙØ©Ø أستاذ عÙÙ
اجتÙ
اع Ø§ÙØ±Ùاضة ÙØ§ÙØ¥Ø¹ÙØ§Ù
. / ØµÙØ±Ø©: د. رعبد الرحيم بورقية، أستاذ علم اجتماع الرياضة والإعلام. / صورة: د. ر
هل يعني هذا أن الجمهور الذي يحضر مباريات المنتخب الوطني يختلف، في العمق، عن مشجعي الأندية من حيث السلوك، التوقعات وطرق التعبير عن الدعم؟
نعم، بالتأكيد. فرغم وجود ثلاث مجموعات منظمة لمشجعي المنتخب الوطني، من بينها "روسو فيردي"، و"السبوعة"، ومجموعة ثالثة لا يحضرني اسمها الآن، فإن هذه المجموعات تبذل مجهودًا كبيرًا من خلال الطبول، والدفوف، والأهازيج، والشعارات، وتنجح في الحفاظ على الإيقاع طيلة التسعين دقيقة من المباراة.
كما توجد أيضًا مجموعات من الألتراس، مثل "ألتراس إيمازيغن" من أكادير، التي تطوعت للمساهمة في تنشيط مدرجات ملعب أدرار. وقد صادف أن كنت حاضرًا هناك لحضور مؤتمر نظمته ولاية جهة أكادير، في إطار عملي كمستشار في الجوانب الاجتماعية والثقافية لفائدة مكتب محاماة كان يقيّم مدى جاهزية المدينة لاحتضان التظاهرات الرياضية الكبرى. لا أعلم إن كانت هذه المجموعة قد دُعيت رسميًا أم لا، لكنني شاهدت بعض أفرادها في المدرجات، إلى جانب المشجعين المصريين.
إلى أي حد تؤثر تسعيرة التذاكر، طرق توزيعها وإمكانية الولوج إليها، في هوية من يحضرون إلى المدرجات، وبالتالي في طبيعة الأجواء التي نشهدها خلال المباريات؟
تلعب هذه الآليات مجتمعة دورًا حاسمًا في تشكيل هوية الجمهور داخل الملاعب. وهذا بالضبط ما لا يعجبني في كرة القدم اليوم، ليس في المغرب فقط، بل على الصعيد العالمي. فقد خضعت اللعبة لتحولات عميقة أبعدتها عن جذورها الشعبية.
فارتفاع أسعار التذاكر، أو اعتماد أنظمة توزيع غير واضحة وغير عادلة، يؤدي إلى إقصاء فئات واسعة من المشجعين التقليديين، خصوصًا الشباب، والطلبة، والمشجعين المتحمسين من الطبقة العاملة، الذين يشكلون عادة العمود الفقري للأهازيج الجماعية، والحماس، والعروض البصرية داخل المدرجات.
كيف ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تأجيج هذا النقاش؟
فيما يخص وسائل التواصل الاجتماعي، يمكنني أن أستحضر مجددًا المثل العربي القائل: "كل إناء بما فيه ينضح". فبعض المستخدمين يوظفون هذه المنصات بحثًا عن "الإعجابات" و"النقرات"، مستغلين مثل هذه الأحداث الكبرى كمادة لجذب الانتباه ورفع نسب التفاعل، سواء من باب الترفيه، أو السخرية، أو الاستفزاز، فقط من أجل الظهور بمظهر "الرائعين" أو المختلفين.
الأمر أشبه بمسرح مفتوح؛ حيث ينخرط البعض في أداء وتمثيل مقصود. وهذا يكشف الكثير عن "نحن"، كمغاربة، وعن علاقتنا بكرة القدم، ليس فقط كرياضة، بل كمرآة نعكس من خلالها ذواتنا، ونؤدي ونستهلك عبرها هويتنا، وإحساسنا بالانتماء.


chargement...






