القائمة

أخبار

السنة الأمازيغية في المغرب.. طقوس تقليدية في قلب احتفال وطني

إذا كانت تقاليد الطبخ تحتل مكانة مركزية في رأس السنة الأمازيغية (يناير)، فإن هذه المناسبة تدور أيضًا حول عدة تعبيرات ثقافية أخرى. بين تبادل المواد الغذائية، والعروض الرمزية، والولائم المشتركة، والقصائد المغناة، تُعتبر هذه الممارسات جزءًا أساسيًا من الطقوس القديمة التي نُقلت حتى يومنا هذا، والتي أصبحت يوما وطنيًا.

 
نشر مدة القراءة: 5'
صورة توضيحية / تصوير: وكالة الأنباء الفرنسية
صورة توضيحية / تصوير: وكالة الأنباء الفرنسية

تعتبر رأس السنة الأمازيغية، المعروفة بـ«يناير»، أكثر من مجرد احتفال بالارتباط بالأرض. فهي تمثل واحدة من أعمق الصور لنقل القيم الثقافية، وقيم المشاركة والتعايش التي تشكل جوهر الثقافة المغربية. بفضل طقوسها القديمة وتعبيراتها الفنية التي تبرز الحياة الجماعية، تعكس فكرة الانتماء المفتوح والشامل، وقد تم تصنيفها كعيد وطني منذ ماي 2023، مما يجسد إرث الأجداد بأفضل طريقة كشاهد على التنوع المتجذر في المغرب.

يعود تاريخ هذا الاحتفال، الذي يمتد لآلاف السنين، إلى تتويج الفرعون الأمازيغي شيشنق الأول في عام 950 قبل الميلاد، وهو التاريخ الذي يُستخدم لتحديد السنة الأمازيغية. يتزامن هذا الحدث أيضًا مع ما يُعرف بالسنة الفلاحية أو «رأس السنة الفلاحية»، حيث يُحتفى ليس فقط بالقيم الثقافية المشتركة، ولكن أيضًا برموز الوفرة التي تمثلها الأرض، مصدر الحياة والقوة الدافعة، والفضاء الجماعي الذي يجني فيه الجميع ثمار جهدهم، مما يعكس اعترافًا بمساهمة كل فرد.

احتفال يروي ثقافات البلاد

يوضح مصطفى مروان، الباحث في الثقافة الأمازيغية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، لـ Yabiladi أن «ظهور الزراعة في شمال إفريقيا يعود إلى أكثر من 5000 عام، والاحتفال هو في الأساس زراعي ويبدأ في بداية كل موسم زراعي جديد». ويشير إلى أن الأمازيغ قد اعتمدوا التقويم الروماني القديم (اليولياني)، الذي يختلف عن الغريغوري الحالي بـ 13 يومًا.

ويضيف مروان أن «اختيار تاريخ 950 قبل الميلاد يبقى تقنيًا ورمزيًا». مهما كان الأمر، فإنه يمثل علامة من خلال «حدث تاريخي رئيسي، يستخدم كنقطة انطلاق رقمية، حتى يتم تبنيه من قبل عمار نقادي (الشاوي)»، الناشط الأمازيغي الذي أصدر أول تقويم أمازيغي في عام 1980.

نقش يمثل شيشنق الأول في الكرنك / DRنقش يمثل شيشنق الأول في الكرنك / DR

يؤكد مصطفى مروان أن «التقويم الأمازيغي لا يرتبط بأي حدث ديني: فهو يسبق التقويم المسيحي والغريغوري والهجري الإسلامي». وعلى الرغم من أن الاحتفال به رسميًا بدأ في يناير 2024 في المغرب، فإن رأس السنة الأمازيغية كان دائمًا يُحتفى به في المجتمعات وبين العائلات، متجاوزًا النقاش التاريخي حول تعريف يناير.

ويوضح عالم الأنثروبولوجيا الحسين بويعقوبي أن «يناير» يمثل ديناميكية ثقافية، مشيرًا إلى أنه «في جميع المجتمعات التي لها تاريخ طويل وثقافة شفوية غنية، تختفي العديد من الممارسات بسبب التحولات، لكن بعضها يستمر ويجدد نفسه، وهذا هو الحال مع يناير».

تقاليد محفوظة في المناطق

يذكر الحسين بويعقوبي أن «التقويم الأمازيغي، المختلف عن التقويم الهجري والغريغوري والعبراني، كان منذ فترة طويلة مرتبطًا بالحياة الزراعية للمغاربة، وحمل عدة تسميات حسب المناطق». وتضيف الشاعرة المغربية صفية أزيدين أن تقليد يناير «يجسد نمط حياة كامل»، خاصة في منطقتها بورزازات، حيث يُحتفل به بنفس الطريقة منذ أجيال.

تضيف صفية أزيدين أن خلال الأيام الثلاثة التي تسبق رأس السنة، «يقوم سكان القرية بتخزين الحطب ويبدأون في توزيع القمح والذرة والحبوب الأخرى، بحيث يتبادل الجميع المواد الغذائية، استعدادًا لتحضير تاگولة، العصيدة التي لا غنى عنها في الوليمة الجماعية ليوم يناير». وتشير إلى أن العديد من العادات الأخرى تجسد الانفتاح والمشاركة وحسن الجوار.

«تبقى أبواب المنازل مفتوحة، بشكل رمزي لاستقبال الحظ الجيد للعام الجديد. يتجلى الرابط الواضح بين يناير والسنة الزراعية في أن يوم رأس السنة يمثل نهاية شهر لا يروي فيه الفلاحون أراضيهم. وعندما تمر هذه الفترة، يُستخدم الحطب الذي جُمِع بشكل جماعي لإشعال النار، التي تنطفئ عندما تصبح درجة حرارة السطح مناسبة لاستقبال زراعات جديدة، معلنة عن موسم زراعي يأمل الجميع أن يكون وفيرًا.»

صفية أزيدين

تشير صفية أزيدين إلى أن الاحتفال برأس السنة الأمازيغية يعكس تقاليد زراعية قديمة متجذرة في الحضارات المحلية والإقليمية، وليس لها علاقة بالمعتقدات الوثنية. وتبرز من بين الممارسات الأخرى التي تصاحب الاحتفال رقصة «أحواش» الشهيرة و«بريالو»، وهي عملية جمع المواد الغذائية بشكل جماعي.

قاعدة من التقاليد المشتركة تتكيف مع الزمان والمكان

تشير الشاعرة صفية أزيدين إلى أن الأشعار المغناة التي وثقتها تعكس دعوات إلهية لأعضاء المجتمع، حيث يلتمسون من الله أن يجعل موسمهم الزراعي مزدهرًا بفضل أمطار منقذة. وتضيف: «إنها صورة جميلة تدعونا للتفكير في تنوع ثقافتنا الوطنية. نحن نكمل بعضنا البعض، ويناير هو لكل المغاربة، كما هي تقاليد الريف، وكما هو الرافد الحساني وجميع الإرث الذي يشكل هذه الفسيفساء الجميلة التي يمكن لكل منا أن يجد نفسه فيها.»

يعتقد لحسين بويعقوبي أن هذه التقاليد قد حافظت على جوهرها، مع تكيفها مع التطور المجتمعي للحفاظ على رمزيتها الثقافية الوطنية. «هذه الممارسة، في أشكالها التقليدية، موجودة في جميع المناطق المغربية دون تمييز، لدى الناطقين بالعربية كما لدى الناطقين بالأمازيغية». ويوضح أنه قبل القرار الرسمي باعتبار هذا اليوم يوما وطنيا، «للحركة الأمازيغية الفضل في إعادة تقييم هذا التقليد ومنحه معنى ودورًا آخر في المجتمع».

بشكل أوسع وخارج الإطار العائلي أو المجتمعي، يشير الباحث إلى أنه «منذ عام 1991، احتفلت الجمعيات الأمازيغية بهذا التقويم كعلامة على رأس السنة، في دور الشباب، والمواقع الجمعوية، ثم بعد ذلك في القاعات الكبيرة للاحتفالات، قبل أن تستثمر الأماكن العامة منذ عام 2011»، بعد الإصلاح الدستوري الذي كرس الأمازيغية كلغة رسمية في المغرب، بجانب العربية.

Ph. Nadia Ben Mahfoudh / RFIPh. Nadia Ben Mahfoudh / RFI

يشرح عالم الأنثروبولوجيا أن «التقويم الذي يحدد يناير قد نظم حياة المزارعين» وأنه «إذا كانت هذه الوظيفة لا تزال موجودة في العالم القروي، فإن التقويم في حد ذاته قد أخذ بعدًا آخر لدى الشباب اليوم، خاصة في المدن». ويضيف أنه «أمرتبط بالهوية الأمازيغية وقد اعتبر رأس السنة الأمازيغية، بقرار ملكي، يوم عطلة منذ عام 2023».

اليوم، يتجلى الاحتفال «بطرق أخرى: مؤتمرات، أمسيات فنية، عرض للمأكولات الأمازيغية، احتفالات للأطفال...». وفقًا للحسين بويعقوبي، «إنها قطيعة على مستوى التمثيلات، ولكنها استمرارية متجسدة في الاحتفالات، التي لا تزال تعتمد اليوم على تراث قديم جدًا».

كن أول من يضيف تعليق على هذا المقال