في تقاليد ما قبل الإسلام، كان الوشم يُستخدم لأغراض طبية وجمالية، ويُعتبر علامة على الانتماء القبلي ووسيلة للوقاية من العين الشريرة. هذه الممارسات، التي تعود لقرون مضت، لا تزال حية في بعض المناطق المغربية مثل الريف، الأطلس، منطقة الجبالة، تافيلالت وأزمور. وقد تمكن هذا الطقس الشمال أفريقي القديم من مقاومة النسيان بفضل ورثته الذين يعيدون إنتاج هذه الزخارف ليس فقط على الجلد، بل أيضًا على الفخار، النسيج والمجوهرات.
في هذا السياق، قامت ريم أمهاج بابتكار مجوهرات للشفاه مستوحاة من الوشم القديم، بهدف إحياء هذه الممارسات وإدراجها في الاستخدام المعاصر. درست ريم ريادة الأعمال في التسويق الرقمي والتحليل في إنجلترا، وهي شغوفة بالفن والتصوير. وُلدت في المغرب وترعرعت في فرنسا، وتعتبر أن ارتباطها بوطنها الأم يزداد قوة من خلال تبنيها للإرث الثقافي لأجدادها، والذي يتجلى في ورشها القائمة في مراكش.
منذ أكثر من عامين، تعمل ريم أمهاج على تصميم مجوهرات للشفاه مستوحاة من الوشم القديم. هذه المبادرة ليست مجرد إعادة إنتاج، بل هي احتفال بعادة متجذرة في أساليب الحياة المحلية. في الماضي، كانت القبائل تقوم بوشم أجمل الفتيات منذ سن المراهقة كوسيلة للحماية وتعبير عن المكانة الاجتماعية. أما الرجال، فقد وشموا رموزًا تشير إلى قبيلتهم أو نسبهم.
في المغرب، كانت الوشامات في الغالب من النساء، اللواتي كن غالبًا ما يعملن كنساجات ويستخدمن نفس الزخارف على سجادهن.
سرد الإرث الثقافي من خلال العناصر البصرية
تنبع فكرة ريم أمهاج من الرغبة في إبراز هذا الغنى اللامادي، من خلال التوفيق بين الإقبال المتزايد على الثقب الحديث وتردد البعض في اتخاذ خطوة نحو هذا الزينة الدائمة.
«الكثير من الناس ينجذبون إلى جمالية الثقب، لكنهم يبقون مترددين بسبب طابعه الدائم أو القيود التي يفرضها. تم التفكير في مجوهرات الشفاه «Ritersie» كبديل حر وقابل للعكس، يسمح بتبني هذه اللغة الجمالية دون التزام دائم.»
تتحدث ريم أمهاج عن اختيارها الجمالي، مشيرة إلى أن هذه الوشوم تحمل «رسائل هوياتية وروحية واجتماعية قوية». وتضيف: «من خلال ربطها بالمجوهرات، أردت إنشاء حوار بين التقليد والحداثة، بين الإرث والتعبير المعاصر». وتهتم بالرمزية الخاصة بالزخارف، لإعادة رسم ليس فقط الصورة، بل الروح أيضًا.وتشرح «الهدف ليس إعادة الإنتاج بشكل متطابق، بل إعادة تفسير هذه الرموز باحترام وتماسك».
تمثل هذه الرموز وسيلة لرواية غير موثقة بشكل كبير عن الاختلافات التي نسجت قديمًا في أراضي شمال أفريقيا. للاندماج في المجتمع آنذاك، استعادت القبائل العربية الأولى التي استقرت الوشم على الجبهة، ولكن مع اختلافات عن الاستخدامات الأمازيغية. في هذا السياق، يذكر الدكتور الفرنسي ج. هيربر في مجلة «Hespéris Tamuda» أن «وشوم القبائل البربرية متنوعة للغاية ومفصلة؛ تتكون من صلبان، نقاط وأقواس دائرية تشكل تركيبات لا نهائية (...)».
يذكر كتاب «الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس» وصفًا محددًا لمؤسس الموحدين الأمازيغي (1121 - 1269)، ويشير إلى أن حتى محمد بن تومرت (1121 - 1130) كان يحمل وشمًا على «ظهر يده اليمنى». هذا الرمز للانتماء القبلي يحمله الرجال على اليد، الساعد أو الأصابع. أما النساء، فيرسم على الذقن.
المجوهرات الوجهية، وسيلة عصرية للتقاليد القديمة
تحليلًا لمعاني هذه الزخارف، يوضح محند أكلي حدادو، مؤلف «الدليل العملي للغة والثقافة الأمازيغية»، أن هذه الرسومات تعكس مراجع ثقافية مشتركة. «يرمز المعين إلى المرأة، الخصوبة والإنجاب. مرتبطًا بالثعبان، يجسد اتحاد المتضادات. الثعبان، دون أي ارتباط رمزي آخر، يعني القوة المحركة التي تنشط العالم. الطائر يرمز إلى العلاقة بين السماء والأرض، الخفة، الذكاء الحاد ونفخة الروح. الثور هو رمز ذكوري للقوة والخصوبة»، يكتب.
بإعادة إحياء هذه الرمزية الحضارية، أكدت تركيبة ريم أمهاج نجاح علامتها التجارية. تشيد المصممة بالاستقبال الإيجابي والاهتمام الذي تحظى به هذه المجوهرات، سواء في المغرب أو في الخارج. «في البلاد، تثير الإبداعات الكثير من الفضول والفخر، خاصة لتسليط الضوء على المراجع الثقافية المحلية بشكل مبتكر».
«على الصعيد الدولي، يجذب أصالة المفهوم والبعد الرمزي القوي للمجوهرات جمهورًا يبحث عن قطع تحمل معانٍ. أنا فخورة جدًا بتطوير وإنشاء علامتي التجارية في المغرب، وأن هذا يكرم جداتنا اللواتي أعطونا الكثير.»
تأمل المصممة في توسيع مجموعاتها، «باستكشاف أجزاء أخرى من الجسم وأشكال أخرى من المجوهرات، مع البقاء وفية لـ«Ritersie»». على المدى المتوسط، تركز على «إلهامات ثقافية جديدة، تعاونات فنية وبحث متزايد في المواد. «أود أيضًا تطوير خط من الملابس أو العطور المتخصصة، وهي عوالم أحبها كثيرًا».


chargement...






