القائمة

أخبار

الطريق إلى الوطن #2: نور الدين بلالي.. سفير البوليساريو الذي أصبح صوت المغرب في الخارج

نروي حكايات أشخاص اختبروا الوهم وعايشوا الحقائق، قبل أن يختاروا العودة إلى أحضان الوطن بعد رحلة قادتهم في ريعان شبابهم إلى صحراء تندوف بالجزائر. في هذه السلسلة، سنغوص في تجارب هؤلاء الأشخاص الذين آمنوا يوماً بإقامة دولة سادسة في المنطقة المغاربية، لكنهم اكتشفوا زيف تلك الوعود وقرروا أن يستعيدوا حياتهم وصلتهم بوطنهم المغرب.

 
نشر مدة القراءة: 6'
نور الدين بلالي
نور الدين بلالي

في السادسة عشرة من عمره، شارك نور الدين بلالي في المظاهرات العارمة التي شهدتها مدينة العيون يوم 17 يونيو 1970، والتي اعتبرت أول انتفاضة صحراوية منظمة ضد الاستعمار الإسباني، بقيادة محمد سيد إبراهيم بصيري، زعيم المنظمة الطليعية لتحرير الصحراء. بعد هذه الأحداث، انتقل بلالي إلى مدينة بئر أم كرين بموريتانيا لمتابعة دراسته، حيث أسس رفقة عدد من زملائه فرعًا للمنظمة الطليعية.

بلالي، المزداد بمدينة السمارة سنة 1952، كان أيضًا من بين 23 شخصًا اجتمعوا يوم 10 ماي 1973 بمدينة الزويرات الموريتانية، ليعلنوا تأسيس جبهة البوليساريو. وبعد ذلك توجه إلى الجزائر العاصمة رفقة الحضرامي والبشير الدخيل والوالي السيد للمشاركة في مؤتمر شباب العالم الثالث، قبل أن يعود إلى مخيمات تندوف ويشارك في المؤتمر الثاني للبوليساريو في غشت 1974.

المهام الدبلوماسية الأولى

لاحقا، كلف بلالي بملف المشرق العربي، وخلال إحدى مهامه اعتقل في الكويت ورحل إلى لبنان، ليُعين بعد ذلك ممثلا للجبهة في ليبيا سنة 1975، أي قبل سبعة أشهر من المسيرة الخضراء. وفي تلك الفترة، كان يشرف أيضا على برنامج إذاعي بعنوان "الساقية والوادي على طريق الحرية" عبر أثير إذاعة "صوت العالم العربي".

كما أوكلت له قيادة البوليساريو مهمة "سفير غير مقيم" في تشاد. ويروي بلالي: "ذهبت لتقديم أوراق اعتمادي، فطلبوا مني الانتظار للرجوع إلى الاتفاقية التي تحدد طبيعة العلاقة مع البوليساريو. وفي اليوم الموالي، أبلغوني بأن مستوى العلاقة لا يرقى إلى تبادل البعثات الدبلوماسية. ورغم توجهي إلى ديوان الرئيس لم أفلح في تغيير الموقف".

"لم أيأس، فاتجهت إلى اللجنة الثورية بالسفارة الليبية في نجامينا ورويت لهم القصة. ليبيا كانت تدعمنا بقوة، فقالوا لي: هذه مسألة بسيطة. وتوجهوا مباشرة إلى الحكومة التشادية مؤكدين أن العقيد القذافي يعتبر هذا الموقف عدائيا تجاه الجماهيرية، خاصة وأن ليبيا كانت تتوفر على قاعدة عسكرية في تشاد وتقدم لها مساعدات منتظمة. بعدها استقبلني الرئيس وقدمت أوراق اعتمادي".

وفي سنة 1983، عاد بلالي إلى المخيمات، ومنها إلى سوريا حيث تولى مسؤولية قسم المشرق العربي، وشرع في توطيد اتصالاته مع السفارات وزيارة بعض العواصم العربية.

قال بلالي في حديث لموقع يابلادي: "بخصوص السعودية، كنت حينها في اليمن الشمالي الذي كان يعترف بالبوليساريو، ومن هناك توجهت سنة 1976 إلى الرياض بصفتي دبلوماسيا جزائريا. اتصلت بفرع وزارة الخارجية في جدة، فأخبروني أنهم سيتواصلون معي، لكن لم يحدث شيء. بعدها اتصلت بالديوان الملكي، وبدأوا يسألونني عن سبب الزيارة وكيفية دخولي إلى البلاد. فأجبتهم: أنتم أرض حاتم الطائي وحماة المقدسات، ولا يليق أن تطرحوا مثل هذا السؤال على ضيوفكم. دعونا نلتقي ونتحدث".

وبعد خمسة عشر يوماً، يضيف: "جاءني السفير الغزاوي، وقال لي: أنا مكلف باستلام رسالتك والاستماع إليك، ولا شيء أكثر. فجلست أتحدث لوحدي طيلة ساعتين ونصف".

أما عن علاقة الجبهة بنظام البعث في سوريا، فأوضح أن الصلة كانت مع حزب البعث لا مع الدولة السورية. وأضاف: "لكن بعد زيارة شيمون بيريز لإفران في يوليوز 1986، حاولت استغلال الظرفية، ووجهت رسالة عاجلة إلى حافظ الأسد أبلغته فيها أن زعيم البوليساريو يرغب في زيارة دمشق تضامنا مع سوريا. وخلال 24 ساعة جاء الرد بالموافقة. بالفعل وصل زعيم الجبهة محمد عبد العزيز على رأس وفد كبير يضم عمر الحضرامي، وإبراهيم حكيم، وأنا شخصيا بصفتي ممثل البوليساريو في دمشق، وعمر منصور ممثل الجبهة في باريس. عُقد لقاء مع حافظ الأسد، إضافة إلى اجتماعات مع هيئة الأركان السورية، ووسائل الإعلام، والفنانين، والنقابات...".

استجابة لنداء الحسن الثاني

وفي أكتوبر 1988، تفجر الوضع داخل مخيمات تندوف، حيث شهدت الجبهة انقساما حادا وانفلتت الأوضاع عن السيطرة. انتهت الانتفاضة بتدخل ميليشيات البوليساريو واعتقال عدد كبير من أبرز الوجوه المعارضة. يقول بلالي:

"لقد كانت تلك انتفاضة جماهيرية عارمة، واجهت قمعا وحشيا من الطغمة المتسلطة، وكانت من الأسباب الرئيسية التي دفعت العديد من الأطر القيادية إلى تقرير العودة إلى الوطن. خصوصا بعد أن وجه جلالة الملك الحسن الثاني نداءه المشهور: إن الوطن غفور رحيم".

ويضيف: "كنت من بين المشاركين في تلك الانتفاضة، فاعتقلت لمدة أربعة أشهر وتعرضنا للتعذيب. اتهمونا بالمشاركة في مؤامرة يقودها المغرب والسعودية والولايات المتحدة وفرنسا".

وأكد بلالي "أن أول من قرروا العودة كانا هما عمر الحضرامي عضو سابق في اللجنة التنفيذية للبوليساريو ومدير أمنها، ثم ممثلها في واشنطن، ونور الدين بلالي عضو مؤسس وعضو المكتب السياسي وسفير ومسؤول قسم المشرق العربي وممثل لدى سوريا. ثم تتابعت العودة عبر موريتانيا وعبر إسبانيا وحتى فرنسا... والبعض عبر الخط الدفاعي رغم المخاطر".

وأوضح أن القيادات التي شاركت في انتفاضة المخيمات جرى عزلها عن القواعد الشعبية حتى لا تؤثر فيها وتم إبعادها خارج تندوف. وأضاف: "انتقلت بعدها إلى سوريا، وتواصلت مع السفارة المغربية هناك، وكانت لدي فكرة تنظيم ندوة صحفية في بعض دول الخليج والأردن قبل العودة إلى المغرب، غير أن السلطات المغربية كانت متعجلة لعودتي".

وفي 26 غشت 1989، كان في استقباله بمطار الرباط مسؤولون من وزارة الداخلية، كما استقبله وزير الداخلية آنذاك إدريس البصري. ويستحضر بلالي: "قلت للبصري إني أرغب في زيارة العيون والسمارة والداخلة وبوجدور وعقد لقاءات هناك، فرد عليّ بأن الأمر محفوف بالمخاطر وقد أتعرض للاستهداف، لكنني أصريت. وبالفعل تم تسهيل مهمتي، حيث التقيت بالشباب والنساء، ولاقت مبادرتي ترحيبا واسعًا من وزارة الداخلية".

كما توجه نورالدين بلالي بعد ذلك إلى الأمم المتحدة وفرنسا وإيطاليا وبريطانيا، لتصحيح المغالطات وإبراز موقف المغرب من نزاع الصحراء.

استقبال ملكي

وفي شهر يناير1990 تم استقبال مجموعة من العائدين الى ارض الوطن في القصر الملكى في مراكش من طرف الملك الراحل الحسن الثاني،  من بينهم بلالي الذي تم تعينه عضوا في المحلس الملكى الاستشارى لشؤون الصحراء ومستشارا بوزارة الخارجية فيما تم تعين الحضرامي عاملا ملحقا بوزارة الداخلية.

وقال الملك في كلمته أمام الحاضرين "..وقد قررنا من جهة أخرى أن نسمي السيد العظمي (الحضرامي) في الادارة المركزية بوزارة الداخلية كعامل، والسيد بلالي بوزارتنا في الخارجية".

حرص بلالي فيما بعد على تدوين تجربته وما عايشه في كتاب حمل عنوان "من أجل الصحراء وحتى لا تتكرر الأخطاء"، تضمن محطات تاريخية وأحداثا عاشها داخل البوليساريو، إلى جانب تحليل تطورات النزاع الذي ما يزال قائما.

كن أول من يضيف تعليق على هذا المقال