شهد شمال المغرب بداية عام 2026 ظروفا جوية قاسية، حيث تم إجلاء سكان مدينة القصر الكبير بالكامل لحمايتهم من الفيضانات الناتجة عن فيضان وادي اللوكوس. الصور ومقاطع الفيديو المنتشرة أظهرت شوارع غارقة نتيجة ارتفاع مياه ثالث أكبر نهر في المغرب، بسبب الأمطار الغزيرة التي وضعت حدا لسنوات الجفاف الطويلة في البلاد.
ورغم أن هذه المشاهد تبدو استثنائية، إلا أنها ليست غريبة على حوض اللوكوس، المنطقة التي طالما كانت عرضة للفيضانات تاريخيا. فمنذ قرون، كان وادي اللوكوس يمثل مصدرا للحياة وتهديدا متكررا للتجمعات البشرية في شمال المغرب. يمر النهر "عبر سهل واسع يميل قليلا، وهي سمة تزيد بشكل كبير من خطر الفيضانات"، كما يوضح المؤرخ المغربي سمير أيت أومغار في دراسته حول المدن وطرق مكافحة خطر الفيضانات في شمال إفريقيا في العصر الروماني (هسبريس-تامودا، 2019).
الفيضان منذ العصور القديمة
هذه الهشاشة الهيكلية أثرت بعمق على المنطقة منذ العصور القديمة وحتى العصر الحديث. ومن الأمثلة البارزة على ذلك مدينة ليكسوس، واحدة من أقدم المواقع الحضرية في المغرب، التي بنيت "على الضفة اليمنى لوادي اللوكوس، على قمة تل صخري يرتفع حوالي 80 مترا فوق مستوى سطح البحر".
خلال الفيضانات الشتوية الكبيرة، كانت السهول المحيطة تمتلء بانتظام، ويشير أيت أومغار إلى أن الفيضان كان "لدرجة أن التل يبدو كجزيرة عند رؤيته من البحر". وعلى الرغم من أن هذا الموقع المرتفع قدم حماية طبيعية لليكسوس، إلا أنه أيضاً عزلها و"حد من توسعها نحو المناطق المنخفضة، التي ظلت بشكل دائم معرضة للفيضانات".

ومع ذلك، كانت ليكسوس الاستثناء وليست القاعدة. التجمعات الأخرى من العصر الروماني على طول اللوكوس كانت أقل حظا بكثير. موقع نوفوم أوبيدوم، الواقع على الضفة اليمنى للنهر في الطرف الجنوبي الشرقي من السهل الفيضي، اختفى تماما تحت "طبقات سميكة من الرواسب المتتالية التي ترسبت بسبب الفيضانات المتكررة"، وفقاً للمؤرخ.
الفيضانات وحدها لا تفسر اختفاءه بالكامل. تشير المصادر التاريخية إلى أن الهياكل القديمة ظلت مرئية "حتى القرن الحادي عشر"، وارتبط تدميرها جزئيا بالتوسع الحضري خلال فترة الموحدين. العامل الحاسم، مع ذلك، كان "تراكم الرواسب من وادي اللوكوس بين القرنين الثاني عشر والتاسع عشر"، الذي دفن الموقع تدريجيا.
تم بناء القصر الكبير، المعروف سابقا باسم قصر عبد الكريم، على هذه الأطلال، وورثت هذه الهشاشة. تصف الروايات التاريخية كيف كان اللوكوس يجري ذات مرة "على طول جدار المدينة […] وأحيانا يفيض، جارفا المنازل".

في مواجهة الكوارث المتكررة، اتخذ السكان خطوة جذرية في القرن التاسع عشر بتغيير مسار النهر. تم تحويل اللوكوس إلى قناة جديدة تعرف باسم وادي جديد، وتقع اليوم على بعد حوالي 400 متر من قلب المدينة الحضري، كما يروي آيت أومغار.
12 فيضان بين 1936 و1951
في العصر الحديث، استمرت الفيضانات كميزة مميزة لحوض اللوكوس السفلي. وفقا لدراسة التطور الجيومورفولوجي لمصب وادي اللوكوس حول المدينة الفينيقية ليكسوس (2009)، "قبل بناء سد وادي المخازن في عام 1979، كانت فيضانات اللوكوس تغمر بالكامل المصب الساحلي وغالباً مدينة القصر الكبير". تظهر السجلات أن المدينة تعرضت لـ 12 حادثة فيضان بين 1936 و1951.

كما أثرت الفيضانات بشكل متكرر على المصب نفسه. توثق السجلات العلمية أحداث فيضانات كبيرة في يناير ودجنبر 1963، وفبراير 1969، ويناير 1970، ويناير 1977، مما دفع السلطات إلى التحرك. أدى ذلك إلى بناء سد وادي المخازن في عام 1979.
رغم أن هذه الهياكل صُممت للحماية من الفيضانات، إلا أن دورها امتد إلى تنظيم الري ومنع تسلل مياه البحر. ومع ذلك، كما أظهرت التاريخ، لم تقضِ البنية التحتية على الخطر.
تم تسجيل فيضانات استثنائية مرة أخرى في 2001، 2008، 2010، 2013 و2014، مما تسبب في خسائر زراعية وتعطيل الحياة اليومية في القصر الكبير. الحلقة الأخيرة، التي حدثت في بداية 2026، هي تذكير آخر بأن اللوكوس لا يزال يشكل خطرا غير متوقع.


chargement...






