حين يتحدث يحيى بولمان عن طفولته، لا يبدأ باللعب أو الأصدقاء، بل بالمدرسة التي لم تقبله، وبالنافذة التي تعلّم من خلفها، كطفل كفيف حرم من حقه في التمدرس. ورغم أنه اليوم في الأربعينيات من عمره، إلا أنه يتذكر جيدا يوم رفضته المدرسة في أحد الدواوير التابعة لإقليم الرشيدية، وهو في السادسة من عمره.
المدرسة التي لم تفتح أبوابها
"أتمنى أن يسامح الله إحدى المدرسات بالمؤسسة التي أردت أن ألتحق بها"، بهذه الكلمات يعبّر يحيى عن حزن لا يزال يحمله معه رغم مرور السنوات. ويضيف "رفضت أن أكون ضمن صفوفها، مبررة ذلك بخوفها من أن أسقط أو يصيبني مكروه"، بسبب إعاقته البصرية. كان يحيى ينتمي إلى أسرة كبيرة مكوّنة من 13 أخا وأختا، من بينهم شقيقته الكبرى، وهي أيضا كفيفة.

غير أن قرار الرفض لم يمنعه من متابعة الدروس؛ فكان يرافق إخوته يوميا ويجلس قرب نافذة الفصل ليستمع إلى الشرح وينجز التمارين في صمت. ويتذكر تلك المرحلة قائلا "كنت أشعر بفراغ كبير جدا، خاصة أن والديّ أميّان ولم يكونا على علم بوجود مدارس متخصصة للمكفوفين في المغرب. ورغم ضعف الإمكانيات، كنت مستعدا للتوسل إليهما بكل الطرق من أجل الالتحاق بأي مدرسة، لأن رغبتي في التمدرس كانت شديدة".
في سنة 2009، وبعد تدشين مدرسة عتيقة للتعليم العتيق على بعد نحو 20 كيلومترا من دواره، حاول يحيى التسجيل وهو في الخامسة والعشرين من عمره، غير أن طلبه قوبل بالرفض "دون مبررات مقنعة". وفي زيارة لاحقة إلى مدينة الناظور عند أحد إخوته، اكتشف وجود مدرسة للمكفوفين، لكن سنّه حال دون قبوله مرة أخرى، فتم توجيهه إلى مدرسة عتيقة بالمدينة، حيث تمكن من حفظ حزبين من القرآن الكريم اعتمادا على السمع فقط.
سنة 2015 شكّت محطة مفصلية في حياته، حين انتقل إلى الدار البيضاء وهو في الرابعة والثلاثين من عمره، وأطلق نداء عبر مواقع التواصل الاجتماعي بحثا عن مؤسسة تقبله وتوفر له نظاما داخليا. في حي بن مسيك – سيدي عثمان، حصل على شهادة الابتدائي، ثم لاحقا على دبلوم السنة الإعدادية من الرشيدية ضمن فئة الأحرار. وفي إحدى الجمعيات بالعاصمة الاقتصادية، تعلّم لغة البرايل، ما منحه وسيلة جديدة للقراءة والتواصل والمعرفة. وخلال تلك الفترة، اشتغل ببيع معدات إلكترونية قديمة، كما كان ينقل منتجات فلاحية من منطقته ويعيد بيعها في الدار البيضاء لتأمين قوت يومه.
حين صار البحر طريقا إلى البصر
منعطف آخر طرأ على مساره عندما أخبره أحد الأطباء بمدينة الرباط بإمكانية استعادة بصره عبر عملية جراحية في فرنسا. منذ تلك اللحظة بدأت فكرة السفر تسيطر عليه. تقدّم بطلب تأشيرة علاجية مرتين إلى فرنسا وقوبل بالرفض، كما حاول التوجه إلى تركيا غير أن تكاليف العملية كانت باهظة. لم يستسلم، وظل مقتنعا بأن عليه الوصول إلى العلاج مهما كان الثمن. ويقول مازحا "لو أخبروني أنني سأستعيد نظري في كوكب زحل، لسعيت إليه".
بعد انسداد السبل القانونية، لجأ يحيى إلى خيار الهجرة غير النظامية، حيث تواصل مع أحد المهربين في مدينة سلا حيث أوقِف من طرف السلطات الأمنية، ثم انتقل إلى بليونش شمال المغرب، غير أن المهربين هناك رفضوا إدخاله القارب بعد اكتشاف إعاقته. أدرك حينها أنه في حاجة إلى خطة بديلة، فغيّر مساره وسافر رفقة آخرين عبر تونس نحو الجزائر، حيث واجهوا مطاردات صعبة من طرف الأمن الجزائري، وتم اعتقال بعض رفاقه، ولا يزال بعضهم رهن السجون إلى اليوم. وفي مرحلة العبور البحرية، عاش واحدة من أقسى لحظات حياته.

"كان إحساسا صعبا جدا. عندما تطأ قدمك قارب الهجرة غير النظامية، فأنت تتهيأ أيضا للموت. في القارب كانت الأحاسيس مختلفة: من يصرخ، من يغني، من يقرأ القرآن… أما أنا فقرأت كل ما حفظته من القرآن"
وصل يحيى أخيرا إلى ألميريا، ومنها إلى تولوز، ثم إلى مونبولييه. هناك واجه حياة قاسية من التشرد والتنقل بين الإدارات الاجتماعية، ولم يُقبل طلبه في البداية. تعرّض ذات ليلة لعضّة فأر كبير، نُقل بعدها إلى المستشفى حيث التقى بطبيبة مغربية حاولت مساعدته اجتماعيا، غير أن مساره الطبي ظل معقدا بسبب وضعه كمهاجر غير نظامي. وبعد أشهر من الانتظار والمعاناة، وافق مستشفى مونبولييه أخيرا على ملفه، وحدد شهر فبراير موعدا لإجراء العملية الجراحية التي قد تعيد له بصره.


chargement...




